ابن قيم الجوزية
188
البدائع في علوم القرآن
[ النحل : 102 ] . وهذا يدل على شيئين : على أن القرآن ظهر منه لا من غيره ، وأنه الذي تكلم به لا غيره . الثاني : على علوه على خلقه ، وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده ، من أعلى مكان إلى رسوله . الثامن : التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده ، وأن بعضها أقرب إليه من بعض ، كقوله : فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ [ فصلت : 38 ] وقوله : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) [ الأنبياء ] ، ففرق بين من له عموما ، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصا ، وقوله النبي صلى اللّه عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه « أنه عنده على العرش » « 1 » . التاسع : التصريح بأنه - سبحانه في السماء ، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين ، إما أن تكون « في » بمعني « على » ، وما أن يراد بالسماء العلو ، لا يختلفون في ذلك ، ولا يجوز حمل النص على غيره . العاشر : التصريح بالاستواء مقرونا بأداة « على » ، مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات ، مصاحبا في الأكثر لأداة « ثم » الدالة على الترتيب والمهملة ، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع ، ولا يحتمل غيره البتة . الحادي عشر : التصريح برفع الأيدي إلى اللّه - سبحانه - كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفرا » « 2 » . الثاني عشر : التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا « 3 » ، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل . الثالث عشر : الإشارة إليه حسا إلى العلو ، كما أشار إليه من هو أعلم به ، وما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ، في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع إصبعه إلى السماء ، ويقول : « اللهم اشهد » ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ، ودعا إليه ، واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2955 ) في بدء الخلق ، ومسلم ( 4931 ) في التوبة . ( 2 ) حديث صحيح ، رواه غير واحد بألفاظ متقاربة ، رواه أبو داود - الصحيح - ( 1337 ) وابن ماجة ( 3117 ) وغيرهما . ( 3 ) سبق تخريجه .